محمد بن علي الشوكاني
5824
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الناس ، فيجمع بين الأمرين . فإن قلت : قد ورد تفضيل قليل الصدقة على كثيرها باعتبار الأشخاص كما في حديث : " سبق درهم ألف درهم " ( 1 ) ، وذلك في من يكون له درهم فيتصدق به ،
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 379 ) وابن ماجة رقم ( 3684 ) والنسائي ( 5 / 59 ) وابن خزيمة رقم ( 2443 ) وابن حبان رقم ( 3336 ) والحاكم ( 1 / 416 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سبق درهم مائة ألف درهم " فقال رجل ، وكيف ذاك يا رسول الله قال : " رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم تصدق بها ، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به " . وهو حديث صحيح . قال القرطبي في " المفهم " ( 3 / 80 - 81 ) قوله : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " أي : ما كان من الصدقة بعد القيام بحقوق النفس وحقوق العيال . وقال الخطابي : أي متبرعا أو عن غنى يعتمده ويستظهر به على النوائب ، والتأويل الأول أولى غير أنه يبقى علينا النظر في درجة الإيثار التي أثنى الله بها على الأنصار ، إذ قال : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة ) [ الحشر : 9 ] . وقد روي : أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من الأنصار ضافه ضيف فنوم صبيته وأطفأ السراج . وآثر الضيف بقوتهم ، وكذلك قوله تعالى : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ) [ الإنسان : 8 ] . أي : على شدة الحاجة إليه والشهوة له ، ولا شك أن صدقة من هذه حاله أفضل . وفي حديث أبي ذر : " أفضل الصدقة جهد من مقل " وفي حديث أبي هريرة : " سبق درهم مائة ألف " قالوا : وكيف ؟ قال : " رجل له درهمان ، فتصدق بأحدهما ، ورجل له مال كثير فأخذ من عرض ماله مئة ألف فتصدق بها " . فقد أفاد مجموع ما ذكرنا : أن صدقة المؤثر والمقل أفضل ، وحينئذ يثبت التعارض بين هذا المعنى وبين قوله : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " على تأويل الخطابي فأما على ما أولنا به الغنى فيرتفع التعارض . وبيان : أن الغنى يعني به في الحديث : حصول ما تدفع به الحاجات الضرورية ، كالأكل عند الجوع والمشوش الذي لا صبر عليه ، وستر العورة والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى . وما هذا سبيله ، فهذا ونحوه مما لا يجوز الإيثار به ، ولا التصدق ، بل يحرم . وذلك : أنه إن آثر غيره بذلك أدى إلى هلاك نفسه أو الإضرار بها ، أو كشف عورته فمراعاة حقه أولى على كل حال . فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار ، وكانت صدقته هي الأفضل . لأجل ما يحمله من مضض الحاجة وشدة المشقة . وانظر " فتح الباري " ( 3 / 296 ) . وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم ( 7 / 124 - 125 ) : معناه أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنيا بما بقي معه ، وتقديره أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه وحوائجه وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنيا ، فإنه لا يندم عليها بل يسر بها ، وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله ؛ فمذهبنا أنه مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون ؛ بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة والفقر فإن لم تجتمع هذه الشروط ؛ فهو مكروه . وقال القاضي : جوز العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله ، وقيل : يرد جميعها وهو مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقيل : ينفذ في الثلث هو مذهب أهل الشام ، وقيل : إن زاد على النصف ردت الزيادة وهو محكي عن مكحول قال أبو جعفر الطبري : ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله وأن يقتصر على الثلث . وقال القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " ( 7 / 110 ) : قال مجاهد : لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا ، ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا . وفي هذا المعنى قيل لحاتم : لا خير في السرف ، فقال : لا سرف في الخير . قلت : - القرطبي - وهذا ضعيف . يرده ما روى ابن عباس أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا فنزلت : " ولا تسرفوا " أي لا تعطوا كله . . . قال السدي : " ولا تسرفوا " أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء .